المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماسح الأحذية


محمد العلمي
07-12-2008, 01:37 AM
اذن المؤذن معلنا دخول وقت صلاة الصبح,قام صاحبنا كعادته بعد ان تقلب طويلا فوق سريره المهترئ’ اوقد شمعة و افرغ محتوى قنينة ماء في سطل ليتوضأ’و بعد ذلك’ايقظ امه الطاعنة في السن لتؤدي الصلاة في وقتها لقد تعود منها النهوض مبكرا و الحفاظ على الشعائر.بعد الصلاة و اذكار الصباح’دخل المطبخ و بدأ اعداد الفطور,بيض مقلي,شاي بالنعناع,زيت الزيتون و خبز’ان صاحبنا يعرف ان للفطور دورا هاما لتزويد الانسان بالطاقة الضرورية’خصوصا بالنسبة له’فهو يقضي جل ساعات النهار متنقلا بين شوارع المدينة الصاخبة و مقاهيها الممتلئة’فهو ماسح احذية’و هو لا يعرف ان كان هذا النشاط يصدق عليه اسم مهنة او عمل,لا يحتقر نفسه عندما يناديه الناس :تعال يا ماسح الأحذية’ازل غبار هذا الحذاء’اريد ن اراه جديدا ’هيا ارنا مهارتك.و يسرع صاحبنابالعمل ,مسلحا بفرشاة كبيرة ذات الوان باهتة,و بجانبه قارورات بها الوان مختلفة’سوداء قاتمة,فاتحة, بنية و غيرها.يشرع في العمل ’و قد كان متتقنا لعمله’فالحذاء البالي القديم المترهل يصبح اثناء ثوان بين يده منتوجا جديدا مشرق الألوان لامعها’كما انه يصلح ما قد يجد فيه من الثقوب و الشقوق,و قد كان حقاماسحا ممتازا للأحذية’و ان كان لا يعرف من اخترع هذه الحرفة. اثناء العمل يستمع صاحبنا لمحادثات الناس,محادثات غالبا ما تتسم بالمرح و حتى بالتفاهة’هو لا يتكلم ’لا قبل و لا اثناء و بعد العمل’لقد مل من سماع نفس المواضيع تتكرر على اسماعه.ينتقل من شارع الى شارع و من زقاق الى زقاق من حذاء الى حذاء بنفس الهدوء’ و عيناه تتجولان حائرة في هذا الخليط البشري الذي تموج به المدينة,خاصة خلال الصيف:قرويون يحملون بضائعهم على اكتافهم’تنسكب ذرات العرق على جباههم و مع ذلك’ترتسم الابتسامة البريئة على وجوههم,هو يعرف الكثير منهم’و يتحدث معهم عن احوال البادية التي يحن اليها منذ ان فارقها منذ عدة سنوات’و ينتقل بصر هنا و هناك,مهاجرون سريون يحاولون العبور الى اوروبا’عمال يسرعون للوصل الى اعمالهم لتفادي الاقتطاعات من الراتب’شباب عاطللون يقضون يومهم مفي الدوران في الحلقة المفرغة للشوارع’متسولون ,باعة متجولون يبيعون بضائع وردت من كل البقاع’هو يتذكر بمرارة كيف كان يعيش مع ابيه و امه هناك حياة هانئة سعيدة,و كيف طردهم صاحب المزرعة الشاسعة التي قضى والده حياته في خدمتها و تنميتها’و ماذا كان جزاؤه,بعد وفاته ببضعة ايام حضر مالك الضيعة و اخبره بانه سيبيع هذه المزرعة لشركة تنشئ المنازل و العمارات’فالانتاج الفلاحي لم عد ينتج ارباحا كافية,و اخبره بانه عليه ان يفرغ هو و امه الغرفتين اللتين كانا يعيشان فيهما مع ابيه,واصل صاحبناالاستماع الى الملاك بمرارة و غيظ’و فهم ان عليه ان يهاجر نحو المدينة مع امه’فلم يعد لهما هنا مكان يستقران به,و كانت الهجرةالتي ذاق مرارتها’هو لم يتلق تعليما يمكنه من وظيفة يعيش بها’لم يتعلم صنعة كالنجارة او الحدادة او اصلاح السيارات,ما يعرفه هو خدمة الارض و فلاحتها و اعطاؤها من جهده و قوته,لكن الآن هو شبه تائه كشبح في هذه المدينة المزدحمة’منذ ان وصل اليها و سكن مع امه في احد البيوت المهجورة و صحتهما تتدهور,عمل اعمالا مؤقتة هنا و هناك’حمالا’ماسح سيارات’...خطب فتاة ,لكنه قوبل بالرفض و الاستهزاء.و اضطرلاستنشاق ما تفرزه عوادم وسائل النقل المختلفة’هولم يتعود على دخان السيارات و الشاحنات و الحافلات و الدراجات’كما انه يقضي يومه متنقلا من هنا الى هناك,هو لا يدري كم هي المسافة التي يقطعها يوميا’هي مسافة طويلة حقا و الدليل انه يشعر بتعب شديد عندما يرجع مساء الى (المسكن)’كما انه لا يجد صعوبة في النوم,فبعد المغرب يعود منهكا حاملا صندوق المساحة و ما اقتناه من الخضرو قطع الخبز,يفتح الباب و يتوجه نحو امه المريضة سائلا اياها عن احوالها ,و يتهلل وجه الأم و هي تجيب ولدها الوحيد بصعوبة’هو لدها’الذي يعتني بها’و يحاورها و يؤنسها’وللاسف فقد اختفت قيم التضامن و التعاون و التآزر التي كانت لحمة المجتمع’وبدأت رياح الأنانية و الانفراد والتشردم و البخل و الرأسمالية المتوحشة تهب على المدن,ساحقة الفقراء و المعوزين,فالجيران لا يزورون هذه المرأة المريضة الا نادرا’و هي تتمنى زيارة من احدهم قصد التحاور معه و’التخفيف من حزنها و ازالة بعض ما تحس به من اللامبالاة من طرف المجتمع.و تسأل ولدها كيف قضى يومه , و يجيبها هذا الأخير اجوبة قصيرة مختصرة ,و سرعان ما ينقلهماا لحوارالى ذكرات حياتهم الماضية في القريةو كيف كانت السعادة تغمر حياتهما.و يتناولان العشاء على ضوء شمعة ملتهبة,و تسعل امه سعالا من الأعماق ,اه هذا المرض ’من الغد ساجمع نقودا و اشتري لها دواء ’هكذا عزم في قرارة نفسه,و قبل امه,و اطفأ الشمعة. و كالعادة تمدد على فراشه,و سرعان ما انتقل الى عالم من الأحلام.وفي الغد ’و اثناء عمله,رأى جمااعة من الناس ملتفين حول شخص يدعي انه يبيع دواء صالحا لكل الأمراض’وقف و انصت’واقتنع ,ومد للمشعود النقود,و ناوله هذا الدواء المزعوم,و عاد صاحبنا سعيدا الى البيت و ناول امه الدواء ’فابتلعته على مضض و نامت.في الغد’لاحظ ان حال امه قد ساءت,فازداد قلقه’و لكنها هدأت من روعه و طلبت منه ان يذهب الى عمله.قضى يومه منزعجا قلقا,و سمع احاديث الناس و سمعهم يتحدثون عن المشعوذ و ما فعلت وصفاته السحرية من اضرار لأبدان الناس.تأسف كثيرا’لأنه ادرك انه للأسف ما زال اشخاص يهدفون للحصول على الأموال بأي طريقة كانت و ان كان ذلك على حساب ارواح الناس . قرر ان يشتري الدواء من الصيدليةالقريبة.لكنه تفاجأ بالثمن الذي عليه اداؤه,هو ليس الا ماسح احذية ,و الثمن يساوي عمل عدة اسابيع’تلعثم امام الصيدلي ’لم يجد ما يقوله,فهو لم يتعود ان يطلب شيئا من اي شخص كان’لكن الصيدلي الذي كان من النجباء قداادرك حال صاحبنا و فقره المدقع’فأخبره بأنه يمكنه دفع الثمن عندما يتيسر له ذلك.فرح صاحبنا و شكر الصيدلي و توجه دون بطء نحو المنزل.بعد ايام تماثلت امه للشفاء,و بدأت تستعيد صحتها تدريجيا’اما ولدها ’فقد قرر تغيير مهنته’التي تراجع مدخولها بسبب منافسة الأحذية الرياضية المستوردة من الخارج للاحذية الجلدية’كما هو الشأن لجل البضائع ’فصاحبنا’و دعونا لا نذكر اسمه الحقيقي’يدرك تماما ما فعلته البضائع المهربة من اغلاق للمعامل و تسريح للعمال بسبب الكساد و عزوف الناس عن اقتناء المنتجات المحلية الصنع.ماذا سيعمل’لن يبتعد كثيرا عن عالم الأحذية و الخيوط واللصاق و الصباغة,سيصبح اسكافيا ’و يفتح محلا صغيرا لذلك ,و سيظل قريبا من امه,لن يجوب الشوارع جيئة و ذهابا’بل سيعمل داخل المسكن’و حتى و ان كانت البداية صعبة ,فانه مصمم على الصمود.و بدأ تنفيد الفكرة,و اشتهر ذكر اتقانه لحرفته بين سكان الحي الشعبي’و زاد دخله,و نمت امواله, و استطاع بحنكته و تجربته ان يشتري منزلا صغيرا جميلا في حي آخر’ و كثر العمل و الدخل’فطلب اسكافيا ليساعده,و توسع النشاط ليشمل بعد ذلك صناعة الأحذية التقليدية و بيعها في محل آخر اشتراه خصيصا لذلك الغرض.مرت السوات تلو السنوات’تحسنت الحال و الحمد لله,و خطب صاحبناا لفتاة التي قد رفضته من قبل’ و تزوجهاورزقه الله تعالى الذرية الصالحة’و قد عاش كريما كثير المعروف و الاحسان للفقراء و المحتاجين’مساعدا لهم,لا يرد احدهم الا ضاحكا مسرورا’و قد علمته التجارب التي مر بها معنى مد يد العون للسائلين و المحرومين’والاحساس بمعاناتهم و التخفيف عنهم.

سحر السيد
07-12-2008, 04:18 AM
محمد العلمى
قصة جميلة تتضمن العديد من الدروس.. من بر الوالدين للعمل الدؤوب لعزة النفس و رفض الشعوذة و المشعوذين.. اعجبتنى جدا القصة و لكل مجتهد دائما نصيب

محمد العلمي
07-12-2008, 04:05 PM
أختي الكريمة ,شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية على كلماتك الطيبة..

عبدالعزيز البارقي
09-19-2008, 02:18 AM
قصه جميله

ولكن ليتك اخي وضعت مسافات بين الاسطر لكي تسهل قرائتها

عيوني راحت فيها

اشكرك وتقبل مروري

صالح الغريميل
09-19-2008, 10:09 AM
جميل هذا السرد والتتابع اللطيف في الاحداث والتنقلات التي كانت رافدة وبسلاسة لرحلة بطل القصة ومايحمله في داخله من همةٍ شاهقة وعالية كانت بجانب الأحذية فأصبحت في عنان السماء

شكراً لقلمك الرائع يامحمد

محمد العلمي
09-30-2008, 07:06 PM
أخواي الكريمان’ بداية عيدكم سعيد و كل عام و انتم بكل خير.
شكرا لكما على مروركم العطر و تعليقكما. الأروع صديقي صالح هي كلماتك الطيبة.
صديقي عبد العزيز,شكرا على الملاحظة, واتمنى التقيد بها في فرصة مقبلة بحول الله.
بارك الله فيكما و اسعد كل اوقاتكما.