المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس )


فيصل الزوايدي
04-20-2008, 09:45 PM
الغـــروب ..

أَنا مَن هَدَّه الشوقُ إليَّ ، و أَخَذَه الـهمُّ بعيدًا بعيدًا عَني .. و أَلزَمَني زَمَني ما لا أُطيق ..
فَلَيْتَ أَنسى .. وكيفَ أنسى وذا فَحيحُ ذِكرى أَطلَقَت سُـمومَها فـي دِمائي فَلا تُـجدي مَعَها الأمصالُ و إِنْ جَرَّبتُها ..و ذا هُم أَحِبَّةٌ صَدَقوا ولَكِن رَحَلوا ، بِالـمَوتِ اعتَذَروا ، و ما تُـجدي ، عِنْدَ الرحيلِ ، الـمعاذيرُ..أُفيقُ و تُفيقُ مَعي الذكرى موجِعَةً كالقَهرِ أَو كَالـمَوتِ نَفسِهِ ، أَحسِرُ عَنـي لِـحافًا بَسيطًا كانَ ليُطرُدَ البردَ و الـخوفَ عنّي .. أسيرُ نَـحوَ الـمِرآةِ فلا أرى إلا وَجهَهُ بِفَيْضِ ابتِسامَتِهِ الغامِرَةِ و الشيبِ الذي جَلَّلَهُ وَقارًا .. كانت الشعراتُ البيضاءُ بَيارِقَ الرحيلِ يَومَ اِلتَمَعَت فـي رأسِهِ تُؤذِنُ بِوَداعٍ مَـحتومٍ .. أجابَنا لا أَدري جادًّا أَمْ عابِثًا يَوْمَ سَأَلْناهُ عَن ذَلِكَ اللونِ الـجديدِ : هِيَ الشمسُ لا تَـمَلُّ شُروقًا و غُروبًا .. كَم أَشرَقَت و كَم غَرُبَت .. أَنْتَزِعُني مِن أَمامِ الـمِرآةِ فَقَد وَمَضَ بَريقٌ فـي عَينيَّ .. أَسيرُ وَجِلا إلـى الـمغسَلِ فأَغسِلُ وَجهي عَجٍلا ، مُتَجَنِّبًا النظَرَ إلى الـمِرآةِ الـمُواجِهَةِ خِشيَةَ أَنْ أَجِدَهُ قبالتي لَكِن يَدي تَـجَمَّدَت على مِقبَضِ الـحَنَفِيَّةِ ، فَقَد كانَت يَدُهُ الـمَعروقَةُ هِيَ التي تُـحكِمُ إِغلاقَ الـمِقبَضَ بِـحِرصِهِ الشديدِ على الـماءِ ، أَقتَلِعُني بِعُنفٍ و أَتَـحَرَّكُ مُتَعَثِّرًا أو مُتَبَعثِرًا.. أُغادِرُ الـمَكانَ و أُسرِعُ إلى غُرفَتـي و لَكن يَبدو أَنَّني قَد تُـهتُ إِذْ وَجدتُني فِي غُرفَتِهِ هُوَ .. كانَت رائِحته الـمُمَيَّزَةُ ما تَزالُ عَطِرَةً في الـمَكانِ .. هذا مَضجَعُهُ و تِلكَ ثِيابُهُ وذاكَ مَكتَبُهُ .. ما زالَ دفتَرُهُ مَفتوحًا على الطاولةِ ،كما تركَهُ في تلك الليلةِ فَقَد كانَ يُسَجِّلُ كل يوم أحداثَ يَومِهِ.. ترددت في مسامعي شَكواه الدَّائمَةَ مِن الزمَنِ .. ما لـي مِنْ عَدُوٍّ غيره .. قالَ هذا لـي يومًا وقد كان يُرَدِّدُهُ دَوْمًا .. أَقرَأُ فـي الصفحةِ الـمفتوحةِ أَمامي :" إِنَّـما تقتُلُنا الـحَسرَةُ .. وما جَدوى أَنْ تُسجِّلَ هزيـمَتَكَ ؟" لا أَجرُؤُ على قولِ أي كلامٍ .. تَـمامًا مِثلَ ذلكَ اليومِ .. إِذَا يَهوي الأحبَّةُ إلى الترابِ فَما كَلامٌ يُسلّيني .. أُحاوِلُ الهربَ مِنَ الـحسرَةِ خِشيَةَ أَنْ يَـمضي الوقتُ ، لا أَبـحَثُ عَن ساعَةٍ و لا أحاولُ البَحثَ عَنها فانأ اعلم أنني لن أجد واحدة .. قَد كانَ يَكرَهُ الساعاتِ بُغضًا ، يَكرَهُ حَرَكَتها لا تَتَوَقَّفُ ولا تستَريحُ و لا تَعودُ مَرَّةً .. يَكرَهُ اِستِنـزافَها الـمريرَ لِلعُمرِ .. تَزيدُ لِيَنقُصَ ، هَكذا تَقولُ الأحجِيَةُ .. هل اِعتَقَدْتَ يَومًا أَنْ تَكونَ حَياتُكَ أُحجِيَةً ساذجَةً يَرويها الصبيانُ بِتَفَاخُرٍ ؟؟؟
أُحاوِلُ الفكاكَ مِن هذه الـمتاهةِ فَأُغادِرُ الـمكانَ نَـحوَ آخر .. إِذَا كانَ الزمانُ يَأْبـى الثبات فالأماكِنُ تَأبـى الـحَرَكَةَ .. أَسيرُ نَـحوَ غرفةِ نَومي مـرةً أخرى و أَنا أَتَوقَّعُ أَن أَجِدَها فـي مَكانِـها ، لا أَدري كَيفَ وَجدتُ نفسي في غُرفَةِ الـجلوسِ أُجيلُ البَصَرَ في أَشيائِها الـمُبَعثَرَةِ كأَحاسيسي ،الـمُشوَّشَةِ كَأََفكاري .. على صَدرِ الـحائطِ لَوحةٌ كبيرةٌ مَارَسَ الزمنُ نزواتِهِ العجيبةَ على إِطارِها الـمُذَهَّبِ فَأَحالَهُ باهِتًا .. كانتِ اللوحةُ صورةَ الفَقيدِ .. الـجاذبيةُ عنيفةٌ اِقتادَتْنـي إلـى تَأَمُّلِها بِشَغَفٍ كأنـي لا أَعرِفُ صاحبَها ..
أَقِفُ أمامَ صورَتِهِ و لَكِنّـي أَنظُرُ إليه بِإِشفاقٍ وَ حَسرَةٍ كَأَنـي أَعرِفُهُ .. أَتَأَمَّلُ عَيْنَيْهِ العَميقَتَيْنِ بِتِلكَ النظرَةِ الغائِمَةِ ... أَنظُر في الصورَةِ طَويلا و أَرحَلُ بَعيدًا بَعيدًا عَنّـي، إذ أَنسى العالـمَ مِن حَولـي و أَنسى كثيرًا مـما ظَنَنْتُ أَنـي لا أَنساه ..و لكننـي أعودُ بَغتَةً لأُفيقَ فَإذا بـالصورةِ لَـم تَكُن إلا صورَتـي أَنـا ..

فيصــــل الــــــزوايــــدي

سحر السيد
04-21-2008, 01:16 AM
فيصل شنو احوالك.. باهية؟؟
هذة تانى مشاركة لك اقرأها ..و استمتعت بها كسابقتها

إنجى حسن
04-21-2008, 08:41 PM
رحلة داخل أحجية عكستها لنا المرآه

ورسمتها لوحة زيتية أنامل قاص يتقن كيف يمتطى السرد

على صهوة الكلمات

سرد رائع ياخذنا الى فضاءات الدهشة

والنهاية كانت موفقة حيث جذبت باسلوبك الجميل القارئ لقراءتك

دون ملل والاستمتاع بمفرداتك وتشبيهاتك الجميلة

شكرا لك فيصل وتحية ملؤها الود

إنجى حسن

فيصل الزوايدي
04-21-2008, 09:09 PM
فيصل شنو احوالك.. باهية؟؟
هذة تانى مشاركة لك اقرأها ..و استمتعت بها كسابقتها

أخت سحر .. ع السلامة .. و شكرا للتحية التونسية فقد اسعدتني كثيرا
أسعدني استمتاعك بالقصة و ثناؤك عليها و اعدك ببعض القصص المترجمة الى الفرنسية ( من نصوصي ) قريبا ان شاء الله
مودتي

فيصل الزوايدي
04-21-2008, 09:20 PM
رحلة داخل أحجية عكستها لنا المرآه

ورسمتها لوحة زيتية أنامل قاص يتقن كيف يمتطى السرد

على صهوة الكلمات

سرد رائع ياخذنا الى فضاءات الدهشة

والنهاية كانت موفقة حيث جذبت باسلوبك الجميل القارئ لقراءتك

دون ملل والاستمتاع بمفرداتك وتشبيهاتك الجميلة

شكرا لك فيصل وتحية ملؤها الود

إنجى حسن

أخت إنجي .. و الحياة احجية سنعجز يقينا عن فكها ...
أسعدني استمتاعك بالقصة و ثناؤك عليها فشكرا لك و انا ممتن لذلك
دمت في كل الخير
مودتي

محمد بن عواض
05-01-2008, 02:18 AM
الأستاذ فيصل
شعرتُ بما نثرت .
ولدي سؤال : اعلم انك تختنق ، لكن مما تريد الهروب والى أين .
على الخير دمت .

فيصل الزوايدي
05-02-2008, 02:19 PM
الأستاذ فيصل
شعرتُ بما نثرت .
ولدي سؤال : اعلم انك تختنق ، لكن مما تريد الهروب والى أين .
على الخير دمت .

أخي محمد .. جميل منك هذا التفاعل العفوي و اما بالنسبة لسؤالك : فليتنا كنا نعرف الإجابة
دمت في خير
مع الود

مــنــذرالــهــزاع
05-02-2008, 03:19 PM
فيصل الزايدي

شكرا عالغروب

فاتن المالكي
05-03-2008, 12:47 AM
كلنـــــــــا في غروب ... وأول صيحة لمولود في هذه الحياة هي

بداية لشروق .. وبداية لغروب معا ..


هذه هي الحياة .. ولن نستطيع تغييرها .. حتى لو حاولنا أن نكسر

المرآة .. فعبثا هي محاولاتنا في أن نجد الحياة الدائمة ..

ولا يسعنا إلا قول :

( والآخرة خير وأبقى ) ..


،،

طرحك جميل ... وترانيم حروفك أخذتنا معها .. لعالم الغروب


فشكرا لشروق شمس حرفك بيننا ...


دمتـــ بإشراق ،،



،

عمر البراهيم
05-03-2008, 12:55 AM
باهية
ورائعة


منك سيدى

فيصل الزوايدي
05-06-2008, 07:16 PM
فيصل الزايدي

شكرا عالغروب

أخي منذر تسعدني اطلالتك على النص فشكرا لجميل مرورك
دمت في خير
مع الود

فيصل الزوايدي
05-06-2008, 07:42 PM
كلنـــــــــا في غروب ... وأول صيحة لمولود في هذه الحياة هي

بداية لشروق .. وبداية لغروب معا ..


هذه هي الحياة .. ولن نستطيع تغييرها .. حتى لو حاولنا أن نكسر

المرآة .. فعبثا هي محاولاتنا في أن نجد الحياة الدائمة ..

ولا يسعنا إلا قول :

( والآخرة خير وأبقى ) ..


،،

طرحك جميل ... وترانيم حروفك أخذتنا معها .. لعالم الغروب


فشكرا لشروق شمس حرفك بيننا ...


دمتـــ بإشراق ،،



،

أخت فاتن .. الحياة و الموت وجهان لوجودنا غير أننا نحتفي بالأول و نتناسى الثاني لكنه لا ينسانا ..
أسعدني كثيرا تفاعلك الراقي المتواصل مع نصوصي و انا ممتن لدعمك العفوي
دمت في كل الخير
مع الود

فيصل الزوايدي
05-06-2008, 07:48 PM
باهية
ورائعة


منك سيدى

أخي عمر شكرا لمرورك فقد أسعدني " برشة " بعفويته
دمت في كل الخير
مع الود