محمد عبده العباسي
04-10-2007, 12:18 AM
كانت الأزمة قد اشتدت ، وعاش المسلمون ثلاث سنوات يعانون أشد المعاناة من جراء الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليهم قريش بتلك الصحيفة التي علقتها علي جدار الكعبة ، والتي تدعو فيها لمقاطعة بني عبد المطلب وآل هاشم ، فكانوا لا يزوجوهم ولا يتاجروا معهم ولا يكن بينهم بيع او شراء .. الحصار ضرب بشدة علي المسلمين فترة طويلة فكان الرسول صلي الله عليه وسلم لا يألوا جهداً في سبيل التخفيف عن المسلمين الذين وصل بهم الأمر وتلك الظروف القاسية إلي أن يقتاتوا مما تجود به الأرض .. فكان صلي الله عليه وسلم يخرج كل ليلة ليطئن علي احوال المسلمين ، وحدث ذات ليلة أن خرج الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه كعادته إلي إحدي شعاب أبي طالب وأخذ يشرف بنفسه علي توزيع الطعام ـ الذي كان يأتي خلسة ـ علي ذوي العيال ممن معه . في تلك الأثناء كانت ابنته الحنون أم كلثوم تجلس إلي جوار أمها الرؤوم السيدة خديجة رضي الله عنها وراحت تخفف عنها وطأة المرض الذي ألم بها فأرقدها في الفراش عليلة وقد كبرت سنها واحست بدنو أجلها وهي تقاوم المرض وةتتمني من الله سبحانه بأن يطول بها العمر لتقف إلي جوار المصطفي صلوات الله عليه وسلم وهي تنظر في حزن أليم إلي ابنتها أم كلثوم التي رجعت لبيت أبيها بعد أن طلقها زوجها عتيبة بن أبي لهب ـ وأمه حمالة الحطب ـ نكاية في أبيها الرسول الكريم حتي تكون ذريعة تنال منه وتلهيه عن أمر الدعوة لدين الله وإلي جوارها فاطمة الزهراء الابنة الصغري .. ظلت السيدة الجلبيلة تناجي ربها وترجوه بأن يمد أجلها حتي تنجلي هذه المحنة التي يمر بها المسلمون لتموت قريرة العين هانئة الخاطر ، ويشتد الحزن بالأبنة الكبري وهي تري أمها علي هذه الحال فتخففها بالدموع ، وتخفف الأم الرشيدة فتحكي لابنتها لتخفف عنها وطأة الألم والحزن وتقول في صوت خفيض : ـ أيا ابنتي .. ما من امراة من قريش ذاقت ما ذقت من نعيم ، بل وما من امرأة في هذه الدنيا نالت مثل الذي نلت من مجد ، حسبي في دنياي أنني زوجة المصطفي الحبيب وحسبي من آخرتي أنني المؤمنة الأولي .. وأغمضت السيدة الجليلة رضي الله عنها عينيها قليلاً وهي تقول في صوت واهن ضعيف : اللهم لا أحصي ثناء عليك ، اللهم لا أكره لقاءك ولكني أطمع في مزيد من التضحية لأكون جديرة بما أنعمت علّي .. كم هي إنسانة رائعة وأم حنون رؤوم ، تلك التي تحمل بين جوانحها كل معاني الصدق والاخلاص والود لزوجها العزيز ولبناتها الطاهرات .. لم تمض لحظات إلا والليل يسدل ستائره علي الدنيا وينفتح باب غرفةالسيدة ليندفع شلال هادر من النور الوضئ ينبئ عن مقدم النبي صلي الله عليه وسلم ، فلم تلبث الزوجة الراقدة إلا أن هبت من فراش المرض هاشة باشة تستقبله في سعادة وحنو وكأنما استشرت في الجسد العليل قوة وعافية .. ويدور حوار بين الرسول وزوجته ، وسرت الطمأنينة في النفوس وعلت نفس السيدة خديجة بسمة الحبور وهي تسمع من الرسول خبر عودة عمه أبي طالب من زيارة البيت ويبشرها بأمر نقض الصحيفة التي علقتها قريش بجدار الكعبة لمقاطعة بني عبد المطلب وآل هاشم .. وما هي أيام قلائل حتي كانت السيدة خديجة بفراشها ترقد مريضة في بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم في مكة تستعد للقاء ربها راضية ، ولا يحمل الليل سوي الهمس الذي يدور حول فراشها وقد اطمأنت إلي زوجها ودعوته حتي صعدت الروح الكريمة إلي بارئها وهي إلي جوار المصطفي صلوات الله عليه وسلم يهون عليها سكرات الموت ويبشرها بالنعيم الذي أعدجه الله لها ، وبالقرؤب من فراشها بناتها زينب وأم كلثوم وفاطمة يتلقين الزاد للحياة قبل رحيل الأم الطاهرة . كان ذلك يوم العاشر من رمضان في السنة العاشرة من البعثة المحمدية ، وتم دفنها في الحجون وقام الرسول صلي الله عليه وسلم بإعداد قبرها بيديه الكريمتين وأضجعهات فيه آمنة مطمئنة وأودعها في ثري مكة ، وعاد إلي بيته حزيناً وضم بناته يخفف عنهن المصاب الجليل ويواسيهن . ولم يطب بعدها المقام لرسول الله صلي الله عليه وسلم في مكة فكان الأذن الإلهي بمثابة التخفيف عنه والأمر السماوي بالهجرة إلي المدينة المنورة .. وهكذا كانت الصفحة الأخيرة في حياة السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها ..
ــــــــــــــــــــــــ
للمزيد : كتاب سيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ
ــــــــــــــــــــــــ
للمزيد : كتاب سيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ