tahani
03-01-2007, 03:36 AM
جريدة الوطن 28/محرم/1428
أكثر البنات الهاربات أعمارهن بين 14و 26 عاما أو في المرحلتين المتوسطة والثانوية
ياركندي: التعامل مع البنات بعنف يأتي بعواقب غير محمودة مثل انحراف الفتاة أو إصابتها بالأمراض النفسية
مكة المكرمة، خميس مشيط: صباح مبارك، صفية بن شيبان
فتاة حاول شقيقها تزويجها بالقوة من كهل، فهربت، ولم ينقذها إلا سائق أمين، أعادها إلى منزلها، بعد تعهد شقيقها بعدم إيذائها، وفتاة مصابة باضطرابات هرمونية جعلت صوتها كصوت الرجل، أهمل أهلها علاجها فحاولت الهرب للعلاج خارج البلاد بأوراق مزورة، وتم توقيفها في المطار، فتاة تعامل معها أخوها بالعنف والضرب، والإيذاء النفسي والجسدي، بعد رفضها محاولات أخيها تزويجها من كهل، فهربت إلى الحرم المكي..
هذه قصص لهروب الفتيات، تلك الظاهرة القائمة في المجتمع السعودي، كما هي الحال في المجتمعات الأخرى، وهي ظاهرة لها أسبابها وتحليلاتها المتعددة المتنوعة. الواقع يقول إن المعاملة السيئة من قبل الأهل قاسم مشترك في حالات هروب الفتيات، وقد أجمع الاختصاصيون على أن الظاهرة تحتاج إلى دراسة وتدقيق، للوصول إلى إجراءات وخطوات، وسياسة اجتماعية جديدة لعلاجها والَحد من تأثيراتها السلبية على المجتمع وعلى الفتيات بصورة خاصة.
الهروب بملابس رجل
(ح.ف) فتاة تم تزويجها منذ عشرين عاماً من رجل دون رضاها، فما كان منها إلا أن غافلت أهلها، وهربت في ملابس رجل من مكة المكرمة إلى جدة، وهناك تعرف عليها أحد سائقي الليموزين، وكان لحسن الحظ على خلق نبيل، فأخذها لبيته وعند زوجته وبناته، واتصل بأخيها ليستلمها، وبهذا الأسلوب استطاعت أن تنجو من الزواج.
(م.ح) فتاة في التاسعة عشرة من عمرها لا تخضع لأي نوع من المراقبة، تعيش في أسرة مع إخوتها ووالديها، لها العديد من الصديقات اللائي لم يهتم الوالدان بطباعهن وأخلاقهن، تاركين لها الحرية الكاملة في مصادقة من تشاء، في أحد الأيام تفاجأ الوالدان بغياب ابنتهما عن البيت، وقاما بالبحث عنها في كل مكان، وفي اليوم الثالث وجدوها في بيت إحدى صديقاتها، حيث حلت كل تلك الأيام ضيفة لديها، وعندما سألتها والدتها عن سبب تغيبها عن البيت كانت إجابتها "أنتم لا تحبوني".
اضطرابات هرمونية
وتفاجأت كريمة باتصال يستدعيها للحضور إلى المطار لأخذ ابنتها، وقد كانت الابنة تعاني من اضطرابات هرمونية وفسيولوجية أكسبتها خشونة شديدة في الصوت وتصرفات رجولية، ولم تجد من أهلها أي حرص على علاج حالتها، ففكرت في السفر لإحدى الدول الأجنبية للعلاج، وساعدها في ذلك أحد المقيمين الذي زور لها كل أوراقها بإتقان شديد، ولا يعلم أحد لو استطاعت أن تسافر ماذا سيكون مصيرها هناك.
(م.ض) مطلقة وأم لطفلين تعيش في إحدى قرى مكة، تعرضت لمعاملة سيئة وغير إنسانية من قبل إخوتها وبعض أقربائها، وصلت لحد الضرب والتهديد، وفجأة اختفت مع طفليها عن أهلها لمدة طويلة، وبحث عنها إخوتها في كل مكان دون جدوى، وبعد أربعة أشهر اتصلت بأحد أقربائها الخيرين من المدينة المنورة، مبينة رغبتها في العودة لمكة المكرمة، ولكنها تخاف من إخوتها، فما كان من هذا القريب إلا أن أخذ عهداً من إخوتها بعدم التعرض لها، وآواها القريب في إحدى شققه داخل مكة، لتعيش فيها هي وطفلاها.
الهروب إلى الحرم
"من أكثر الأماكن التي تلجأ إليها البنات الهاربات في مكة المكرمة بيت الله الحرام، حيث تجد الفتاة هناك الأمان والطمأنينة بشكل كبير، كما أنها تأمن هناك على نفسها من التعرض لأي أذى"، هذا ما قالته بعض الموظفات والمراقبات في الحرم، حيث يرين أن هذه الظاهرة تكون بصفة يومية في الحرم.
وعن الطريقة التي يتم فيها التعرف على الفتاة الهاربة من غيرها، بما أن البيت الحرام مليء بالزوار والمعتمرين قالت الموظفات إن المراقبة داخل الحرم شديدة، فيلاحظ أن الفتاة تأتي للصلاة وحدها، ثم تنزوي جانباً دون أن يكون معها مرافق، أو تطيل المكوث في الحرم، وعندما تسأل من قبل المراقبات داخل أروقة الحرم المكي الشريف عن سبب مكوثها كل هذا الوقت، يتبين أنها هاربة من أسرتها.
وعن الأسباب التي تدعوهن للهروب قالت إحدى الموظفات في الحرم "ليست محصورة في سبب واحد، فمنهن من كان سبب هروبها محاولة أهلها تزويجها بكبير في السن، أو العنف والضرب الشديد من قبل الأب، أو وقوعها في خطأ، وتخاف من العقاب الشديد، وغيرها من الأسباب.
وعن الإجراءات المتخذة معهن قالت الموظفة إنه يتم التحقيق مع الفتاة الهاربة، ثم الاتصال بأهلها، لأخذها والتعهد بعدم التعرض لها بالضرب أو الأذى.
وتقول موظفة أخرى "في أحد الأيام كانت هناك فتاة منزوية في جانب أحد أعمدة الحرم، وظلت على هذا الحال لفترة طويلة، وظنت المراقبة أنها تنتظر أحدا من أقاربها، وبعد أن تأكدت من أنها بمفردها، وعرفت المراقبة أنها هاربة، سألتها عن سبب هروبها، فعلمت أن السبب عنف أخيها الذي يكفلها، وضغطه عليها لتزويجها من رجل في سن والدها، وعند رفضها ذلك، أخذ يمارس معها أساليب التعذيب النفسي والجسدي، وحرمها من الذهاب لمدرستها، وكانت آثار الضرب بادية عليها، وبعد الاتصال بالأخ حضر لاستلامها، وقام أحد الشيوخ في الحرم بنصح أخيها، وأخذ عهدٍ منه بعدم التعرض لها بالأذى.
المعاملة السيئة قاسم مشترك
المعاملة السيئة للفتاة من قبل الأهل قاسم مشترك في معظم حالات الهروب، وتتعدد قصص الفتيات اللائي تعرضن للأذى من أهلهن، فهناك فتاة يمنعها والدها من النوم في غرفة نوم مغلقة الأبواب، ولابد من فتح باب غرفتها دائما، والأبواب تنزع بشكل كامل، وأخرى تقول يجبرها والدها على النوم في غرفة استقبال الضيوف، حتى تبقى دائما تحت النظر، وثالثة تقول "لا أخرج من المنزل حتى يتفقد والدي أو أحد أخوتي ملابسي ويفتش حقيبتي".
وتشكو أخرى من عدم موافقة والدها على إكمال الدراسة إلا عند المرحلة الثانوية فقط، وتقول أخرى "منعني والدي من دخول القسم الذي طالما كنت أحلم به، وهو قسم العلوم الطبية، فأصبت بحالة نفسية شديدة، وكان الأهل يعتقدون أن ذلك غضب سيمر، مما أدى إلى هروبي من المنزل، وتقول فتاة "لا توجد في منزلنا أبدا مفاتيح لأي غرفة، حتى دورة المياه ممنوع إغلاقها"، وتقول أخرى "لم أختر يوما ملابسي التي أرتديها أنا، إنما والدي أو أحد إخوتي هم من يختار"، وتقول أخرى "يسمح لإخوتي الأولاد بمشاهدة ما يريدون في التلفاز، حيث تم تخصيص جميع القنوات الفضائية وجميع أدوات التسلية لهم، ونحن الفتيات ممنوع، حتى لعب البلايستيشن ممنوع".
تجارب واعترافات
وتتوالى اعترافات الفتيات وشكواهن من تعسف الآباء والأشقاء، تقول فتاة "أنا طالبة جامعية، عندما فتش والدي حقيبتي ذات يوم، ووجد أدوات ماكياج من روج وكحل، ضربني ضربا مبرحا"، وتقول أخرى "إن الخروج من المنزل غير ممكن، إلا في الضرورة أو المرض، أما الترفيه فممنوع من باب أن بيت المرأة ستر".
وأحيانا يصل تعسف الآباء والأشقاء إلى حدود مخيفة، فهناك فتيات لم يخرجن من المنزل منذ ثلاث سنوات، وتقول فتاة "والدي يراقبني في كل شيء، حتى عند الرد على المكالمات الهاتفية، يتنصت علي دائما، وسار إخوتي على نهجه، مما سبب عداوة كبيرة جداً بيننا، وكل ذلك من باب عدم الثقة"، تقول أخرى "أبي يأخذ راتبي الذي لا يتجاوز 1000 ريال، رغم أنه مقتدر مادياً، بدعوى أنني لست في حاجة لهذا الراتب، وإذا اعترضت علي أن أتكفل أنا بمصروف المنزل بأكمله".
وفي بعض الأحيان تؤدي هذه المعاملة السيئة من قبل الأهل، إما إلى هروب الفتاة أو إقدامها على الانتحار، تقول فتاة في الخامسة عشر من العمر "حاولت الانتحار مرتين، مرة بسكين حادة، والمرة الثانية بمسدس، والسبب ضغوط أسرية، وعدم تفهم أهلي لي، وتجاهل وجودي في كل شيء، حتى في أدق أموري، هم من يقرر وأنا أجبر على التنفيذ".
وتعبر فتيات عن مشاعرهن المحبطة تجاه معاملة الأهل السيئة، تقول إحدى الفتيات "لماذا لا نعطى الثقة؟، ولماذا الشك؟، وما الذنب الذي اقترفته الفتاة حتى تعامل هكذا؟، لماذا الحرمان والقسوة، ومن أين نأخذ الحنان والرحمة والعطف؟ لمن نشكو همومنا إذا كان من حولنا أكثر قسوة علينا؟".
وتقول فتاة أخرى "كل فتاة بأبيها معجبة، كيف نطبق هذه العبارة في هذا الجو المليء بالشك والغيرة وعدم الثقة والإقلال من الشأن، وإحساسنا الدائم بالحرمان؟ ماذا نفعل ولمن نلجأ، ومن يسمعنا ويفهمنا؟".
وتقول فتاة ثالثة "نعم نؤيد الاهتمام والحرص واجب والملاحظة واردة، ولكن من حق الفتاة التمتع بحقوقها كما نص الدين الإسلامي، الشك الذي تواجه به الفتاة يؤدي إلى إحساسها بأنها أقل من غيرها من فتيات المجتمعات الأخرى، مما جعلها دائمة التقليد لهن".
وتقول فتاة "معظم الآباء هم من يحدد مصير الفتاة، فأصبحت مثل الدمى أو التماثيل يتحكم الواحد فيها تلو الآخر، ابتداء بالأب ثم الأخ، ومن ثم الزوج، فهم من يحددون طبيعة حياتها ومستقبلها، لذلك أصبحت الفتاة محدودة التفكير، ضعيفة الثقافة، في الوقت الذي ترى فيه الفتاة فتيات المجتمعات الأخرى يمارسن حياتهن كما يخططن، فأصبحنا ننظر إليهن على أنهن أكثر ثقافة".
وقالت فتاة جامعية "مازالت الفتاة في مجتمعنا التي تدخل مجالات معينة مثل الطب والتمريض والعمل البنكي وغيره مرفوضة اجتماعيا، وهذا التعامل مع الفتاة سبب لها الكثير من الأمراض النفسية ومن ثم الجسدية، وأدى إلى انتشار حالات الانهيار النفسي للفتيات كذلك انتشرت حالات الهروب والشذوذ.
التفكك الأسرى والتفرقة في التربية
تقول الباحثة الاجتماعية في مؤسسة رعاية الفتاة بمكة حفصة شعيب والتي تؤوي عددا من الفتيات الهاربات "نسبة الفتيات الهاربات ارتفعت في الآونة الأخيرة أكثر مما عليه في السابق، وربما يعود ذلك لأسباب عدة منها قلة الوازع الديني بين البنات، والاحتكاك بصديقات السوء، هذا غير أن الانفتاح الإعلامي له دور كبير في هذا الهروب، بسبب الأفكار التي يشحن بها عقول البنات الصغيرات، كما أن التفكك الأسري أحد أسباب الهروب، والتفرقة في التربية بين البنت والولد أيضا لها دور كبير في اللجوء للهروب، فخطأ الولد مغتفر ومقبول أما خطأ الفتاة فيظل لصيقاً بها أمام أسرتها الذين يمارسون على الفتاة شتى أنواع التعذيب النفسي والبدني من التحقير والضرب والتأنيب على الدوام"، مشيرة إلى أن أكثر فئة عمرية للبنات الهاربات اللائي تؤويهن المؤسسة مابين 14و 26 عاما أو في المرحلتين المتوسطة والثانوية.
وترى أستاذ الصحة النفسية المشارك بكلية التربية للبنات بمكة المكرمة الدكتورة هانم ياركندي أنه لا بد من الوقوف عند قضية هروب البنات كثيراً، وعمل الدراسات العلمية لحصر الأسباب الداعية لذلك، ومحاولة تفاديها، مشيرة إلى أن معالجة هذه المشكلة تبدأ في الأساس من داخل الأسرة، تقول "هناك فتاة قد هربت من أهلها من منطقة الجنوب إلى جدة، فما الأمر الذي يدفع فتاة إلى أن تقطع كل هذه المسافة هاربة بمفردها، لو لم يكن هناك تعامل سيء من الأهل، جعلها تبحث عن الأمان.
وتضيف أنه في عصرنا هذا لا يفيد أسلوب الشدة والعنف في التعامل مع البنات، بل يأتي بعواقب غير محمودة، مثل انحراف الفتاة ببحثها عن الحب المفقود داخل الأسرة وخارجها، أو دخولها في دوامة الأمراض النفسية، والتي قد لا تخرج منها أبدا.
أكثر البنات الهاربات أعمارهن بين 14و 26 عاما أو في المرحلتين المتوسطة والثانوية
ياركندي: التعامل مع البنات بعنف يأتي بعواقب غير محمودة مثل انحراف الفتاة أو إصابتها بالأمراض النفسية
مكة المكرمة، خميس مشيط: صباح مبارك، صفية بن شيبان
فتاة حاول شقيقها تزويجها بالقوة من كهل، فهربت، ولم ينقذها إلا سائق أمين، أعادها إلى منزلها، بعد تعهد شقيقها بعدم إيذائها، وفتاة مصابة باضطرابات هرمونية جعلت صوتها كصوت الرجل، أهمل أهلها علاجها فحاولت الهرب للعلاج خارج البلاد بأوراق مزورة، وتم توقيفها في المطار، فتاة تعامل معها أخوها بالعنف والضرب، والإيذاء النفسي والجسدي، بعد رفضها محاولات أخيها تزويجها من كهل، فهربت إلى الحرم المكي..
هذه قصص لهروب الفتيات، تلك الظاهرة القائمة في المجتمع السعودي، كما هي الحال في المجتمعات الأخرى، وهي ظاهرة لها أسبابها وتحليلاتها المتعددة المتنوعة. الواقع يقول إن المعاملة السيئة من قبل الأهل قاسم مشترك في حالات هروب الفتيات، وقد أجمع الاختصاصيون على أن الظاهرة تحتاج إلى دراسة وتدقيق، للوصول إلى إجراءات وخطوات، وسياسة اجتماعية جديدة لعلاجها والَحد من تأثيراتها السلبية على المجتمع وعلى الفتيات بصورة خاصة.
الهروب بملابس رجل
(ح.ف) فتاة تم تزويجها منذ عشرين عاماً من رجل دون رضاها، فما كان منها إلا أن غافلت أهلها، وهربت في ملابس رجل من مكة المكرمة إلى جدة، وهناك تعرف عليها أحد سائقي الليموزين، وكان لحسن الحظ على خلق نبيل، فأخذها لبيته وعند زوجته وبناته، واتصل بأخيها ليستلمها، وبهذا الأسلوب استطاعت أن تنجو من الزواج.
(م.ح) فتاة في التاسعة عشرة من عمرها لا تخضع لأي نوع من المراقبة، تعيش في أسرة مع إخوتها ووالديها، لها العديد من الصديقات اللائي لم يهتم الوالدان بطباعهن وأخلاقهن، تاركين لها الحرية الكاملة في مصادقة من تشاء، في أحد الأيام تفاجأ الوالدان بغياب ابنتهما عن البيت، وقاما بالبحث عنها في كل مكان، وفي اليوم الثالث وجدوها في بيت إحدى صديقاتها، حيث حلت كل تلك الأيام ضيفة لديها، وعندما سألتها والدتها عن سبب تغيبها عن البيت كانت إجابتها "أنتم لا تحبوني".
اضطرابات هرمونية
وتفاجأت كريمة باتصال يستدعيها للحضور إلى المطار لأخذ ابنتها، وقد كانت الابنة تعاني من اضطرابات هرمونية وفسيولوجية أكسبتها خشونة شديدة في الصوت وتصرفات رجولية، ولم تجد من أهلها أي حرص على علاج حالتها، ففكرت في السفر لإحدى الدول الأجنبية للعلاج، وساعدها في ذلك أحد المقيمين الذي زور لها كل أوراقها بإتقان شديد، ولا يعلم أحد لو استطاعت أن تسافر ماذا سيكون مصيرها هناك.
(م.ض) مطلقة وأم لطفلين تعيش في إحدى قرى مكة، تعرضت لمعاملة سيئة وغير إنسانية من قبل إخوتها وبعض أقربائها، وصلت لحد الضرب والتهديد، وفجأة اختفت مع طفليها عن أهلها لمدة طويلة، وبحث عنها إخوتها في كل مكان دون جدوى، وبعد أربعة أشهر اتصلت بأحد أقربائها الخيرين من المدينة المنورة، مبينة رغبتها في العودة لمكة المكرمة، ولكنها تخاف من إخوتها، فما كان من هذا القريب إلا أن أخذ عهداً من إخوتها بعدم التعرض لها، وآواها القريب في إحدى شققه داخل مكة، لتعيش فيها هي وطفلاها.
الهروب إلى الحرم
"من أكثر الأماكن التي تلجأ إليها البنات الهاربات في مكة المكرمة بيت الله الحرام، حيث تجد الفتاة هناك الأمان والطمأنينة بشكل كبير، كما أنها تأمن هناك على نفسها من التعرض لأي أذى"، هذا ما قالته بعض الموظفات والمراقبات في الحرم، حيث يرين أن هذه الظاهرة تكون بصفة يومية في الحرم.
وعن الطريقة التي يتم فيها التعرف على الفتاة الهاربة من غيرها، بما أن البيت الحرام مليء بالزوار والمعتمرين قالت الموظفات إن المراقبة داخل الحرم شديدة، فيلاحظ أن الفتاة تأتي للصلاة وحدها، ثم تنزوي جانباً دون أن يكون معها مرافق، أو تطيل المكوث في الحرم، وعندما تسأل من قبل المراقبات داخل أروقة الحرم المكي الشريف عن سبب مكوثها كل هذا الوقت، يتبين أنها هاربة من أسرتها.
وعن الأسباب التي تدعوهن للهروب قالت إحدى الموظفات في الحرم "ليست محصورة في سبب واحد، فمنهن من كان سبب هروبها محاولة أهلها تزويجها بكبير في السن، أو العنف والضرب الشديد من قبل الأب، أو وقوعها في خطأ، وتخاف من العقاب الشديد، وغيرها من الأسباب.
وعن الإجراءات المتخذة معهن قالت الموظفة إنه يتم التحقيق مع الفتاة الهاربة، ثم الاتصال بأهلها، لأخذها والتعهد بعدم التعرض لها بالضرب أو الأذى.
وتقول موظفة أخرى "في أحد الأيام كانت هناك فتاة منزوية في جانب أحد أعمدة الحرم، وظلت على هذا الحال لفترة طويلة، وظنت المراقبة أنها تنتظر أحدا من أقاربها، وبعد أن تأكدت من أنها بمفردها، وعرفت المراقبة أنها هاربة، سألتها عن سبب هروبها، فعلمت أن السبب عنف أخيها الذي يكفلها، وضغطه عليها لتزويجها من رجل في سن والدها، وعند رفضها ذلك، أخذ يمارس معها أساليب التعذيب النفسي والجسدي، وحرمها من الذهاب لمدرستها، وكانت آثار الضرب بادية عليها، وبعد الاتصال بالأخ حضر لاستلامها، وقام أحد الشيوخ في الحرم بنصح أخيها، وأخذ عهدٍ منه بعدم التعرض لها بالأذى.
المعاملة السيئة قاسم مشترك
المعاملة السيئة للفتاة من قبل الأهل قاسم مشترك في معظم حالات الهروب، وتتعدد قصص الفتيات اللائي تعرضن للأذى من أهلهن، فهناك فتاة يمنعها والدها من النوم في غرفة نوم مغلقة الأبواب، ولابد من فتح باب غرفتها دائما، والأبواب تنزع بشكل كامل، وأخرى تقول يجبرها والدها على النوم في غرفة استقبال الضيوف، حتى تبقى دائما تحت النظر، وثالثة تقول "لا أخرج من المنزل حتى يتفقد والدي أو أحد أخوتي ملابسي ويفتش حقيبتي".
وتشكو أخرى من عدم موافقة والدها على إكمال الدراسة إلا عند المرحلة الثانوية فقط، وتقول أخرى "منعني والدي من دخول القسم الذي طالما كنت أحلم به، وهو قسم العلوم الطبية، فأصبت بحالة نفسية شديدة، وكان الأهل يعتقدون أن ذلك غضب سيمر، مما أدى إلى هروبي من المنزل، وتقول فتاة "لا توجد في منزلنا أبدا مفاتيح لأي غرفة، حتى دورة المياه ممنوع إغلاقها"، وتقول أخرى "لم أختر يوما ملابسي التي أرتديها أنا، إنما والدي أو أحد إخوتي هم من يختار"، وتقول أخرى "يسمح لإخوتي الأولاد بمشاهدة ما يريدون في التلفاز، حيث تم تخصيص جميع القنوات الفضائية وجميع أدوات التسلية لهم، ونحن الفتيات ممنوع، حتى لعب البلايستيشن ممنوع".
تجارب واعترافات
وتتوالى اعترافات الفتيات وشكواهن من تعسف الآباء والأشقاء، تقول فتاة "أنا طالبة جامعية، عندما فتش والدي حقيبتي ذات يوم، ووجد أدوات ماكياج من روج وكحل، ضربني ضربا مبرحا"، وتقول أخرى "إن الخروج من المنزل غير ممكن، إلا في الضرورة أو المرض، أما الترفيه فممنوع من باب أن بيت المرأة ستر".
وأحيانا يصل تعسف الآباء والأشقاء إلى حدود مخيفة، فهناك فتيات لم يخرجن من المنزل منذ ثلاث سنوات، وتقول فتاة "والدي يراقبني في كل شيء، حتى عند الرد على المكالمات الهاتفية، يتنصت علي دائما، وسار إخوتي على نهجه، مما سبب عداوة كبيرة جداً بيننا، وكل ذلك من باب عدم الثقة"، تقول أخرى "أبي يأخذ راتبي الذي لا يتجاوز 1000 ريال، رغم أنه مقتدر مادياً، بدعوى أنني لست في حاجة لهذا الراتب، وإذا اعترضت علي أن أتكفل أنا بمصروف المنزل بأكمله".
وفي بعض الأحيان تؤدي هذه المعاملة السيئة من قبل الأهل، إما إلى هروب الفتاة أو إقدامها على الانتحار، تقول فتاة في الخامسة عشر من العمر "حاولت الانتحار مرتين، مرة بسكين حادة، والمرة الثانية بمسدس، والسبب ضغوط أسرية، وعدم تفهم أهلي لي، وتجاهل وجودي في كل شيء، حتى في أدق أموري، هم من يقرر وأنا أجبر على التنفيذ".
وتعبر فتيات عن مشاعرهن المحبطة تجاه معاملة الأهل السيئة، تقول إحدى الفتيات "لماذا لا نعطى الثقة؟، ولماذا الشك؟، وما الذنب الذي اقترفته الفتاة حتى تعامل هكذا؟، لماذا الحرمان والقسوة، ومن أين نأخذ الحنان والرحمة والعطف؟ لمن نشكو همومنا إذا كان من حولنا أكثر قسوة علينا؟".
وتقول فتاة أخرى "كل فتاة بأبيها معجبة، كيف نطبق هذه العبارة في هذا الجو المليء بالشك والغيرة وعدم الثقة والإقلال من الشأن، وإحساسنا الدائم بالحرمان؟ ماذا نفعل ولمن نلجأ، ومن يسمعنا ويفهمنا؟".
وتقول فتاة ثالثة "نعم نؤيد الاهتمام والحرص واجب والملاحظة واردة، ولكن من حق الفتاة التمتع بحقوقها كما نص الدين الإسلامي، الشك الذي تواجه به الفتاة يؤدي إلى إحساسها بأنها أقل من غيرها من فتيات المجتمعات الأخرى، مما جعلها دائمة التقليد لهن".
وتقول فتاة "معظم الآباء هم من يحدد مصير الفتاة، فأصبحت مثل الدمى أو التماثيل يتحكم الواحد فيها تلو الآخر، ابتداء بالأب ثم الأخ، ومن ثم الزوج، فهم من يحددون طبيعة حياتها ومستقبلها، لذلك أصبحت الفتاة محدودة التفكير، ضعيفة الثقافة، في الوقت الذي ترى فيه الفتاة فتيات المجتمعات الأخرى يمارسن حياتهن كما يخططن، فأصبحنا ننظر إليهن على أنهن أكثر ثقافة".
وقالت فتاة جامعية "مازالت الفتاة في مجتمعنا التي تدخل مجالات معينة مثل الطب والتمريض والعمل البنكي وغيره مرفوضة اجتماعيا، وهذا التعامل مع الفتاة سبب لها الكثير من الأمراض النفسية ومن ثم الجسدية، وأدى إلى انتشار حالات الانهيار النفسي للفتيات كذلك انتشرت حالات الهروب والشذوذ.
التفكك الأسرى والتفرقة في التربية
تقول الباحثة الاجتماعية في مؤسسة رعاية الفتاة بمكة حفصة شعيب والتي تؤوي عددا من الفتيات الهاربات "نسبة الفتيات الهاربات ارتفعت في الآونة الأخيرة أكثر مما عليه في السابق، وربما يعود ذلك لأسباب عدة منها قلة الوازع الديني بين البنات، والاحتكاك بصديقات السوء، هذا غير أن الانفتاح الإعلامي له دور كبير في هذا الهروب، بسبب الأفكار التي يشحن بها عقول البنات الصغيرات، كما أن التفكك الأسري أحد أسباب الهروب، والتفرقة في التربية بين البنت والولد أيضا لها دور كبير في اللجوء للهروب، فخطأ الولد مغتفر ومقبول أما خطأ الفتاة فيظل لصيقاً بها أمام أسرتها الذين يمارسون على الفتاة شتى أنواع التعذيب النفسي والبدني من التحقير والضرب والتأنيب على الدوام"، مشيرة إلى أن أكثر فئة عمرية للبنات الهاربات اللائي تؤويهن المؤسسة مابين 14و 26 عاما أو في المرحلتين المتوسطة والثانوية.
وترى أستاذ الصحة النفسية المشارك بكلية التربية للبنات بمكة المكرمة الدكتورة هانم ياركندي أنه لا بد من الوقوف عند قضية هروب البنات كثيراً، وعمل الدراسات العلمية لحصر الأسباب الداعية لذلك، ومحاولة تفاديها، مشيرة إلى أن معالجة هذه المشكلة تبدأ في الأساس من داخل الأسرة، تقول "هناك فتاة قد هربت من أهلها من منطقة الجنوب إلى جدة، فما الأمر الذي يدفع فتاة إلى أن تقطع كل هذه المسافة هاربة بمفردها، لو لم يكن هناك تعامل سيء من الأهل، جعلها تبحث عن الأمان.
وتضيف أنه في عصرنا هذا لا يفيد أسلوب الشدة والعنف في التعامل مع البنات، بل يأتي بعواقب غير محمودة، مثل انحراف الفتاة ببحثها عن الحب المفقود داخل الأسرة وخارجها، أو دخولها في دوامة الأمراض النفسية، والتي قد لا تخرج منها أبدا.