أحمد طــابعجي
02-20-2007, 06:17 PM
السلام عليكم
اطرح اليوم بين ايديكم وعلى محاجركم الكريمة نبذه متواضعة عن شاعرا اعطى الكثير في سبيل ارتقاء الادب السعودي
شاعرا لقب بـــ (( العبقري )) صاحب الكلمة القوية والعلم الادبي الواسع
رحمه الله وادخله فسيح جناته
بسم الله نبدأ
************************************************** *********
«الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قويا، وصوتها لا يكون قويا إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة»، و«كانت القوة في الرجل مصدر الإعجاب والتقديس، والقوة ما تعرف الهوادة في تأمين سبيل حياتها ومطالبها».
كانت هذه المقطوعات النثرية من محاضرة مطولة ألقاها الأديب السعودي الراحل حمزة شحاتة لما يقارب خمس ساعات في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة منذ ما يزيد عن نصف قرن، حيث عنونها بـ «الرجولة عماد الخلق الفاضل» بدلا من «الخلق الفاضل عماد الرجولة» الذي اختارته الجمعية عنوانا لمحاضرته ولم يتقيد به، وكان حينها في 30 من عمره، وهو ما أثار اندهاش شيوخ ومثقفي تلك الفترة في بلاغة الرجل رغم صغر سنه، حتى أن الحضور كانوا قد صفقوا له أكثر من 30 مرة بحسب إشارة صديقه الأديب الراحل عزيز ضياء وكان ذلك دليلا أكيدا على ما حمله الرجل من أبعاد فكرية عبقرية لم يُعن بها.
وهذه الرؤية الفلسفية الحكيمة لم تنطبع فقط في أدبه المنثور، وإنما حتى في شعره، وكافة نتاجه الفكري الأدبي الذي كان في زمن بعيد عن واقع العالم من حوله، فحينما يقول شحاتة «أي دنيا تلك التي غلبت فيها على الحق سفلة ولصوص، إنما الناس منذ كانوا: ضعيـف لقوي، وقانــص وقـنيص» فهو يتجول بكلماته الشعرية بين تأملاته لمكان ولد وعاش فيه وسط أناس لم يقدروا فكره، ولذلك لم تكن مجرد مقطوعة شعرية تجسدت داخل بناء قصيدة عنونها الرجل بـ«جـــدة» معشوقة الفيلسوف الغامض كما وجده الكثيرون، فقط لأنهم لم يدركوا أنه «رجل جاء من خارج الزمن» كما قال سابقا الكاتب عبد الله الجفري، وإنما هي قصيدة حملت دلالات فلسفية حتى قال عنه صديقه ضياء إنه «قمة عُرفت ولم تُكتشف».
وقصيدة «جـدة» التي أطلقت عنانها غربة قاسية من نفحات ذاكرة رجل ولد داخلها عام 1328هـ، وعاش راكضا بين أزقتها وتنقلت طفولته بين رائحة حاراتها العتيقة.. الشام.. اليمن.. البحر.. المظلوم.. لتكون بكل ذلك جسدا غضا لامرأة عذراء مراهقة ساحرة القوام، تتلحف ببحرها، المطرز بالزرقة، كما وجدها شحاتة منذ أول رحلة له في صباه إلى الهند لمزاولة العمل لعدة سنوات، والتي تركت أثرها في نفسه، وكما تقول ابنته الصغرى زلفى «رحلته إلى الهند كانت منعطفا ثقافيا في حياته».
وعند عودته لـ «جدة» نراه كما رآه ضياء أول مرة «شابا فارع الطول» مرتب الهندام وطامحا مكافحا وسيما وصاحب ثقافة دسمة استطاع تكوينها من ولعه بالقراءة التي لا يتوقف عنها أبدا في أي مكان يكاد يصله، تقول زلفى «إنه مولع بها بشكل كبير، وليس ذلك فحسب، لقد كان واجبنا اليومي الذي إن لم نفعله نعاقب عليه، وما زلت أتذكر كلماته رغم صغر عمري: ستقرؤون.. ستقرؤون.. الآن بعد قليل.. ستفعلون ذلك».
لقد كان يستمتع كثيرا بالقراءة والموسيقى التي كان يعزفها بالفطرة على العود رغبة منه في التحليق لعوالم ما وراء الحياة، لهذا هو «فيلسوف» جميعهم قالوا ذلك ممن عاصروه، وبحثوا في نتاجه الفكري، فكان تشبيهه بأبي العلاء المعري الشاعر الضرير الذي رأى العالم من حوله بقلبه وعقله.
وكما يقول الأديب عبد الفتاح أبو مدين رئيس نادي جدة الأدبي السابق «شيخ المعرة كان له أنصار وأتباع ومريدون، أخذوا عنه، وسجلوا ما أخذوا وحفظوه، وعنوا بآثاره ومقولاته، حتى ظهرت بعد مماته، وبقيت ألف سنة ونيفا، لكن أستاذنا حمزة شحاتة، دفعه الجحود لمكانته الأدبية البارزة المتوهجة وعبقريته الفذة وتميزه، إلى الاعتزال والانقطاع، والبعد عن الناس، ودفن ما بقي عنده من آثار، حرقا، وتمزيقا، لأنه إنسان فيه إباء واعتزاز بالنفس، ولأنه لا يحسن المداجاة والمداهنة».
ولشحاتة فلسفته للحياة التي انطبعت حتى في تصرفاته، تقول زلفى «لا أتذكر منه سوى القليل، حتى طفولته لا نعرف عنها شيئا، فقليلا ما كان يتحدث عنها، لكني كنت أجده غريبا في بعض تصرفاته التي طالما أدهشتنا، مثل أن يشرب من المشربية (القلة) رغم وجود ثلاجة عريضة لدينا تمتلئ بالماء البارد، لقد كان إنسانا مختلفا» وتتابع «والدي إنسان حساس جدا، ومرهف الشعور، لدرجة أني أشعر أن مسامات جلده من فرط حساسيتها تتنبأ بالجو القادم، وبالخطوات الراكضة في عمره».
ولذلك كان والدها شحاتة ليس شاعرا أو ناثرا فقط، بل كان بحسب قولها «فنانا موسيقيا من الدرجة الأولى، كان ملحنا وعازفا بتمكن على العود، لقد كان فنانا في كل شيء يقوم به، إنه يتذوق الجمال من رائحته، بعمقه لا بشكله» ويبدو أن موسيقاه وألحانه التي كان يزاولها على أكثر من آلة موسيقية أبرزها العود لقيت المصير نفسه الذي لقيته أشعاره من حيث قسوته عليها وعدم اهتمامه بطباعتها أو حتى تسجيل ألحانه.
وأمضى شحاتة حياته الأخيرة في القاهرة معتزلا الناس، مكتفيا برعاية بناته الخمس اللاتي رافقن مشواره الأخير، ليصب تركيزه واهتمامه على تعليمهن لأنهن ثروته، وعاش وحيدا سوى أوراقه وبعض أشعاره، وموسيقاه التي كان يلحنها لنفسه فقط، وصوته الذي يدندن به، حتى رحل إلى السماء، تاركا خلفه عبارة «إنه عبقري» التي اكتشفها معاصروه والدارسون بعد فوات الأوان، وبعد أن قتلته الغربة عن «جدة» التي حلم بالعودة إليها وكتب رائعته فيها، لكنه حقا عاد إليها عام 1970، لا ليعيش طموحاته ويعيد سينما الذكريات على بصره الذي فقده، وإنما ليدفن في مكة المكرمة ويوارى جسده وهو في 62 من عمره، تاركا «كان الرجل عبقريا».
المصدر من جريدة الشرق الاوسط***
اطرح اليوم بين ايديكم وعلى محاجركم الكريمة نبذه متواضعة عن شاعرا اعطى الكثير في سبيل ارتقاء الادب السعودي
شاعرا لقب بـــ (( العبقري )) صاحب الكلمة القوية والعلم الادبي الواسع
رحمه الله وادخله فسيح جناته
بسم الله نبدأ
************************************************** *********
«الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قويا، وصوتها لا يكون قويا إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة»، و«كانت القوة في الرجل مصدر الإعجاب والتقديس، والقوة ما تعرف الهوادة في تأمين سبيل حياتها ومطالبها».
كانت هذه المقطوعات النثرية من محاضرة مطولة ألقاها الأديب السعودي الراحل حمزة شحاتة لما يقارب خمس ساعات في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة منذ ما يزيد عن نصف قرن، حيث عنونها بـ «الرجولة عماد الخلق الفاضل» بدلا من «الخلق الفاضل عماد الرجولة» الذي اختارته الجمعية عنوانا لمحاضرته ولم يتقيد به، وكان حينها في 30 من عمره، وهو ما أثار اندهاش شيوخ ومثقفي تلك الفترة في بلاغة الرجل رغم صغر سنه، حتى أن الحضور كانوا قد صفقوا له أكثر من 30 مرة بحسب إشارة صديقه الأديب الراحل عزيز ضياء وكان ذلك دليلا أكيدا على ما حمله الرجل من أبعاد فكرية عبقرية لم يُعن بها.
وهذه الرؤية الفلسفية الحكيمة لم تنطبع فقط في أدبه المنثور، وإنما حتى في شعره، وكافة نتاجه الفكري الأدبي الذي كان في زمن بعيد عن واقع العالم من حوله، فحينما يقول شحاتة «أي دنيا تلك التي غلبت فيها على الحق سفلة ولصوص، إنما الناس منذ كانوا: ضعيـف لقوي، وقانــص وقـنيص» فهو يتجول بكلماته الشعرية بين تأملاته لمكان ولد وعاش فيه وسط أناس لم يقدروا فكره، ولذلك لم تكن مجرد مقطوعة شعرية تجسدت داخل بناء قصيدة عنونها الرجل بـ«جـــدة» معشوقة الفيلسوف الغامض كما وجده الكثيرون، فقط لأنهم لم يدركوا أنه «رجل جاء من خارج الزمن» كما قال سابقا الكاتب عبد الله الجفري، وإنما هي قصيدة حملت دلالات فلسفية حتى قال عنه صديقه ضياء إنه «قمة عُرفت ولم تُكتشف».
وقصيدة «جـدة» التي أطلقت عنانها غربة قاسية من نفحات ذاكرة رجل ولد داخلها عام 1328هـ، وعاش راكضا بين أزقتها وتنقلت طفولته بين رائحة حاراتها العتيقة.. الشام.. اليمن.. البحر.. المظلوم.. لتكون بكل ذلك جسدا غضا لامرأة عذراء مراهقة ساحرة القوام، تتلحف ببحرها، المطرز بالزرقة، كما وجدها شحاتة منذ أول رحلة له في صباه إلى الهند لمزاولة العمل لعدة سنوات، والتي تركت أثرها في نفسه، وكما تقول ابنته الصغرى زلفى «رحلته إلى الهند كانت منعطفا ثقافيا في حياته».
وعند عودته لـ «جدة» نراه كما رآه ضياء أول مرة «شابا فارع الطول» مرتب الهندام وطامحا مكافحا وسيما وصاحب ثقافة دسمة استطاع تكوينها من ولعه بالقراءة التي لا يتوقف عنها أبدا في أي مكان يكاد يصله، تقول زلفى «إنه مولع بها بشكل كبير، وليس ذلك فحسب، لقد كان واجبنا اليومي الذي إن لم نفعله نعاقب عليه، وما زلت أتذكر كلماته رغم صغر عمري: ستقرؤون.. ستقرؤون.. الآن بعد قليل.. ستفعلون ذلك».
لقد كان يستمتع كثيرا بالقراءة والموسيقى التي كان يعزفها بالفطرة على العود رغبة منه في التحليق لعوالم ما وراء الحياة، لهذا هو «فيلسوف» جميعهم قالوا ذلك ممن عاصروه، وبحثوا في نتاجه الفكري، فكان تشبيهه بأبي العلاء المعري الشاعر الضرير الذي رأى العالم من حوله بقلبه وعقله.
وكما يقول الأديب عبد الفتاح أبو مدين رئيس نادي جدة الأدبي السابق «شيخ المعرة كان له أنصار وأتباع ومريدون، أخذوا عنه، وسجلوا ما أخذوا وحفظوه، وعنوا بآثاره ومقولاته، حتى ظهرت بعد مماته، وبقيت ألف سنة ونيفا، لكن أستاذنا حمزة شحاتة، دفعه الجحود لمكانته الأدبية البارزة المتوهجة وعبقريته الفذة وتميزه، إلى الاعتزال والانقطاع، والبعد عن الناس، ودفن ما بقي عنده من آثار، حرقا، وتمزيقا، لأنه إنسان فيه إباء واعتزاز بالنفس، ولأنه لا يحسن المداجاة والمداهنة».
ولشحاتة فلسفته للحياة التي انطبعت حتى في تصرفاته، تقول زلفى «لا أتذكر منه سوى القليل، حتى طفولته لا نعرف عنها شيئا، فقليلا ما كان يتحدث عنها، لكني كنت أجده غريبا في بعض تصرفاته التي طالما أدهشتنا، مثل أن يشرب من المشربية (القلة) رغم وجود ثلاجة عريضة لدينا تمتلئ بالماء البارد، لقد كان إنسانا مختلفا» وتتابع «والدي إنسان حساس جدا، ومرهف الشعور، لدرجة أني أشعر أن مسامات جلده من فرط حساسيتها تتنبأ بالجو القادم، وبالخطوات الراكضة في عمره».
ولذلك كان والدها شحاتة ليس شاعرا أو ناثرا فقط، بل كان بحسب قولها «فنانا موسيقيا من الدرجة الأولى، كان ملحنا وعازفا بتمكن على العود، لقد كان فنانا في كل شيء يقوم به، إنه يتذوق الجمال من رائحته، بعمقه لا بشكله» ويبدو أن موسيقاه وألحانه التي كان يزاولها على أكثر من آلة موسيقية أبرزها العود لقيت المصير نفسه الذي لقيته أشعاره من حيث قسوته عليها وعدم اهتمامه بطباعتها أو حتى تسجيل ألحانه.
وأمضى شحاتة حياته الأخيرة في القاهرة معتزلا الناس، مكتفيا برعاية بناته الخمس اللاتي رافقن مشواره الأخير، ليصب تركيزه واهتمامه على تعليمهن لأنهن ثروته، وعاش وحيدا سوى أوراقه وبعض أشعاره، وموسيقاه التي كان يلحنها لنفسه فقط، وصوته الذي يدندن به، حتى رحل إلى السماء، تاركا خلفه عبارة «إنه عبقري» التي اكتشفها معاصروه والدارسون بعد فوات الأوان، وبعد أن قتلته الغربة عن «جدة» التي حلم بالعودة إليها وكتب رائعته فيها، لكنه حقا عاد إليها عام 1970، لا ليعيش طموحاته ويعيد سينما الذكريات على بصره الذي فقده، وإنما ليدفن في مكة المكرمة ويوارى جسده وهو في 62 من عمره، تاركا «كان الرجل عبقريا».
المصدر من جريدة الشرق الاوسط***