المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشريعة وإفشاء السر


اوراق الماضي
02-13-2007, 02:24 PM
لماذا حفـظ الأسرار؟


الحرب النووية أحد نتائج هتك الأسرار

1- لما في كشف السر من الإضرار في أغلب الأحوال:

ولا ينبغي لمسلم أن يسعى فيما فيه ضرر لأخيه المسلم، ولا يحل لمسلم أن يتعمد الإضرار بأخيه بغير حق، ولا أن يسعى في أمر يكون سبباً في إيقاع الضرر بأخيه لقول الله تعالى: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثما مبيناً" (الأحزاب: 58). والأضرار التي يسببها إفشاء الأسرار مختلفة، فمنها:

أ- الأضرار النفسية والمعنوية:

وذلك إذا كان السر عورة يسترها عن نفسه ثم ارتكبه، أو فعلا شائنا زلت قدمه فأقدم عليه، ثم استتر بستر الله تعالى، فإن كشفته عنه آلمته ألما شديدا فاستاء وحزن، وقد تسقط شهادته، وقد تسقط كرامته ويجفوه بعض من كان يألفه، ويحقره من كان يعظِّمه. وقد يفسد ذلك ما بينه وبين أهله، فيكون في ذلك تحطيم الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية.

أيضاً: قال الحليمي: "في هتك ستر أصحاب القروف تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه؛ لأنه ربما كان يخشى أن يُعرف أمره، فلا يرجع إلى ما قارفه أو يستتر منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه عادة يعسر بعدها عليه النزع عنها، وهذا إضرار به" (المنهاج للحليمي: 3/ 35).

وقد نهى الله تعالى عن التجسس: وهو تتبع ما يخفيه الناس من أمورهم. وقال معاوية (رضي الله تعالى عنه): سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم"، فقال أبو الدرداء (رضي الله تعالى عنه): "كلمة سمعها معاوية من رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) نفعه الله بها" (أخرجه أبو داوود): يعني استقام له شأن خلافته مع الناس.

ب- الأضرار البدنية:

فإن ذوي الأسرار لا تخلو سرائرهم من اقتراف معصية شرعية تستوجب إقامة الحد، أو على الأقل تستلزم التعزير. وهنا يكون في إفشاء هذا السر ضرر بصاحبه، كان يمكن تلافيه من خلال ستر عورة صاحب السر وكتمان سره.

جـ- الأضرار المهنية:

فإن المتعاملين مع أصحاب الصنائع والمهن: كالطبيب، والمحامي، إذا شعروا بأن أسرارهم في خطر، يحجمون عن التعامل معهم، أو لا يُطلعونهم بالقدر الكافي على ما يريدون الاطلاع عليه لينجحوا في مهماتهم، وبذلك يفقدون وتفقد المهنة ككل نسبة كبيرة من فرص النجاح.

وهكذا المهن الأخرى حتى السائق والخادم، إذا كان حافظاً للأسرار التي يطلع عليها تزيد الثقة به، فإن كان على عكس ذلك فَقَدَ نسبة كبيرة من فرص العمل، وخسر غالباً ما بيده منها.

د- الأضـرار المــالية:

فربما أفقده إفشاء السر فرصة كسب ينتظره أو مصلحة خطط لتحصيلها. وكم يكسب أصحاب الصناعات من الحقائق التي اكتشفوها، فإنها تدر عليهم الأموال الطائلة، ويعتبرونها أسراراً مملوكة لهم، فهم يستثمرونها، وينعمون بخيراتها، ويحرصون عليها كما يحرص كل شخص على ماله الخاص. ويمكن بيع "سر المهنة" بمبالغ طائلة إذا كان ذا جدوى اقتصادية وافرة. وقد رُوي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (أخرجه أحمد).

وربما أدى كشف الأسرار المالية إلى تسلط اللصوص وأشباه اللصوص عليها، حتى يعود الغني فقيرًا وتؤول الثروات التي ُجمعت بالكدح الدؤوب والعمل الشريف إلى الأيدي الظالمة تعبث بها يميناً وشمالاً.

وربما لزمته بكشف سره غرامات وتكاليف مالية كان في غِنًى عنها، وربما أفقده فضح سره منصباً يكتسب به رزقه. وكم قوضت الفضائح عروشاً، وأوهنت حكومات، وأتلفت أمماً.

2- لأنه قد يكون في إفشاء السر خيانة الأمانة:

أ- أن يكون بين المرء وزوجه:

ففي خطبة حجة الوداع أوصى النبي (صلى الله عليه وسلم) بالنساء خيرًا، فقال: "إنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (أخرجه مسلم وأبو داود). وعن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها". وفي رواية لمسلم: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها" الحديث (أخرجه مسلم وأبو داوود).

وقد جاء في أخبار بعض أهل الفضل أنه سُئل عن أخبار زوجة له كان قد طلقها، فتزوجت بعده، فقال: مالي ولزوجة غيري. والمراد بما يُكتم هنا تفاصيل ما بين الزوجين في خلوتهما.

ب- أن يكون ثمة اشتراط الكتمان ضمانة للأسرار:

فقد يطلب أخوك منك كتمان سره قبل أن يفضي إليك به، فالتزمت له بذلك. فإن أفشيته كنت قد خنت الأمانة، ونقضت العهد؛ فكنت ظلوماً جهولاً، شأنك في ذلك شأن المنافقين الذين يظهر نفاقهم بمثل هذا الفعل الذميم.

وقد يستكتم الأخ أخاه سراً في حال دون حال أو وقت دون وقت، فيقبل، فتكون الأمانة بحسب ذلك، كأن يقول: لا تفشِ عني هذا الخبر إلى ثلاثة أيام، أو: ما دام فلان حياً، أو ما دمت حياً أو نحو ذلك.

جـ- افتراض كتمان سر الاستشارة:

كأن يكون أخوك قد فاتحك في أمر خاص مما شأنه أن يكتم عن الناس، ولو لم يستكتم، وخاصة إن كان يستشيرك في أمر خاص مما ينويه، أو أمر يعزم عليه فذلك أمانة. ولحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) حيث قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "المستشار مؤتمن" (أخرجه أبو داوود والترمذي)، ويكون كشف خبايا ذلك خيانة لتك الأمانة.

د- أن يكون السر كلام مجلس خاص:

أي أن يكون السر كلاماً صدر في مجلس خاص يثق الحاضرون فيه بعضهم ببعض، فيتبسطون في الحديث، ولو حضر شخص غريب، أو من لا يأمنونه لم يتكلموا بذلك. فالحديث الذي قالوه بمقتضى الثقة هو أمانة. ففي حديث جابر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهو أمانة" (أخرجه أبو داوود والترمذي)، وقال شارح الإحياء: أي التفت يميناً وشمالاً؛ لأن ذلك يُظهر أنه قصد أن لا يطلع على حديثه غير الذي حدثه.

هـ– أسرار الضرورة:

أن تقضي الضرورة أو الحاجة بالإنسان إلى أن يكشف عما يسوؤه أو يضره إظهاره، وما كان ليظهره لولا حاجته للمعونة، كأن يذهب إلى المفتي ليسأله عن حكم الشرع في أمر فعله. فإن لم يشرح الواقعة بالقدر الذي يتبين بها الحكم فيها لم يتمكن المفتي من إجابته والبيان له، فيكون الحديث الذي وصف به فعله- إن كان مما يسوء إظهاره- أمانة عند المفتي، فإن كشفه كان خائناً للأمانة، فلو شهد المفتي بعد ذلك أمام القضاء بما سمعه من الإقرار لم تقبل شهادته ولا عبرة بها؛ لأن الخائن للأمانة فاسق غير عدل.

ومثل ذلك الطبيب إذا أفضى إليه المريض بسبب مرضه، وقد يكون فعلاً شائناً، أو كشف للطبيب من بدنه ما يحتاج إلى كشفه للعلاج، ويكون فيه تشويه أو مرض منفِّر. أو ربما أفضى إلى الطبيب النفساني بأوضاع خاصة في حياته السابقة، أو أوضاع أسرته؛ ليتمكن من تشخيص المرض ومعرفة أسبابه وعلاجه، فيكون ذلك أمانة لدى الطبيب، ومن الخيانة أن يفشيها.

وكذلك المكلفون بالأبحاث الاجتماعية، الذين يطلب منهم التحقق من الأوضاع المعيشية للمتقدمين بطلب المعونة الاجتماعية، أو معونة الزكاة والصدقات، فإن ما يفضي به إليهم أمر من الشؤون الخاصة التي من شأنها أن تُكْتَم، وهي أمانات لديهم، ليس لهم تضييعها ولا بثها، إلا لإيصالها لمن من شأنه تقرير تلك المعونة.

غير أن هذا لا يمنع وقائع الفتوى أو الوقائع الطبية أو نحو ذلك من الأبحاث العلمية، والاستشهاد بها في تأييد النظريات أو تزييفها، غير أنها إن كانت من قبيل الأسرار فلا يذكر أسماء أصحابها، ولا ما يكشف شخصياتهم، بل تُستخدم الألفاظ المبهمة.

وكذلك الحال مع سائر أمناء السر والموظفين في الدوائر الحكومية أو المؤسسات الأهلية؛ حيث حُمِّلوا الأمانة بحكم وظيفتهم، فعليهم كتمان كل ما يعلمون أن في إظهاره ضرراً حسياً أو معنوياً للجهة التي قلَّدتهم تلك المهمات، ومن الخيانة أن يكشفوا من ذلك شيئاً.

3- لأن البوح بالأسرار فيه اتباع هوى النفس:

فالبوح بالأسرار قد يغلب عليه اتباع هوى النفس. وقد قال الله تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" (ص: 26)، فإن الحوافز التي تدعو الناس إلى فضح أسرار غيرهم أو كشف معايبهم أكثرها راجع إلى الهوى. فمن ذلك:

أ– نزوع النفس إلى كشف الخبايا:

فالنفوس تنزع إلى كشف الخبايا، والتبسط بغيبة الناس وذكر معايبهم، وبخاصة في المجالس التي لا يتقي الله فيها، فمن اتبع ما تنزع إليه نفسه من ذلك كان متبعاً للهوى، ومن جارى قائلي السوء وكشف لهم ما يعلم من أسرار إخوانه، كان متبعاً للهوى من إخوان الشياطين.

فإن للصاحب إذا حل من خليله محل الفؤاد فاطمأن كل منهما للآخر، وركن إليه فائتمنه على أدق أسراره وبث إليه أشياء مما في نفسه وأخباراً عن أشياء فعله، وربما أفضى إليه برأي له من فلان من الناس أو فلانة، فحق حامل الأمانة أن يكون كفئاً لها، فلا يفضي بشيء من ذلك إلى أحد. ولو أن حبل الوداد انفصم بين هذين الصاحبين ما كان لواحد منهما أن يخون ما ائتُمن عليه. فإن فعل ذلك دلَّ على لؤم طبعه وخبث باطنه. وليس للآخر أن يقول فضحني فأفضحه، وأذلني فأذله، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "أدِّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك" (رواه الحاكم وأبو داوود).

ب– الحســـد:

وفي نفس الإطار، إن كان في فضح السر وكشف الستر عن صاحب السر ضرر يلحقه في نفسه أو ماله أو بدنه أو مركزه الاجتماعي فإن الغالب أن يكون ذلك عن عداوة باطنة أو حقد خفي أو حسد دفين، وذلك من الهوى. قال الغزالي: "منشأ التقصير في ستر العورة أن السعي في كشفها سببه الداء الدفين في الباطن، والحقد والحسد، فإن الحقود الحسود يمل باطنه الخبث، ولكنه يحبسه في باطنه ويخفيه ولا يبديه إذا لم يجد له مجالاً، وإذا وجد فرصة انحل الرباط وارتفع الحياء وترشح الباطن بخبثه الدفين".

ويزداد ذلك الهوى ضراوة إذا انحل رباط المودة فعاد عداوة. فإن لم يكن للصديق القديم عاصم من دين يعتصم به استغل تلك الأسرار القديمة، وأصبحت في يديه سلاحاً يقتل به عدو اليوم أخاه بالأمس. وقال بعض الحكماء: لا تصحب من يتغير عليك عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه، بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتا على اختلاف الأحوال. ومن هنا كان حفظ الأسرار يحتاج إلى قوة نفسية، وإرادة حازمة، تتمكنان من مغالبة هوى النفس، والتغلب عليه. فالإفشاء ناشئ عن قلة الصبر في هذه المعركة النفسية.

منقول

خالد الخالدى
02-24-2007, 03:48 PM
شكرا اليك نور الصباح والمساء على هذاالموضوع

اوراق الماضي
02-24-2007, 04:26 PM
العفو شكرا لك لتواصلك

يا هلا وسهلا